محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
141
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
يكون عامّا لجميع الحيوانات والإنسان ؛ فيستوي فيه البرّ والفاجر ، كما قال تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ؛ ومن الأرزاق ما يكون خاصّا ؛ فيكون للبرّ دون الفاجر ، كما قال تعالى : أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ يريد به الحلال دون الحرام . فالرزق إذا أريد به الانتفاع المجرّد فكلّ ما ينتفع به رزق ؛ وإذا أريد به العطاء فالحرام لا يكون عطاء ؛ ولا تغفل عن الأرزاق السماوية والأرزاق الأرضية وما يكون رزقا للأرواح وما يكون رزقا للأجساد . قال اللّه تعالى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ولا يجوز أن يحمل على المطر الذي هو سبب الرزق ؛ فإنّه فرق بين الرزق والموعود من الجنّة ، والموعود من الجنّة ليس في السماء التي هي السحاب ولكن لمّا أجرى اللّه تعالى سنّته بأن جعل رزق كلّ شيء ممّا خلقه منه ، ولمّا خلق الأجساد من التراب ، جعل غذاءهم من التراب ، ولمّا أبدع الأرواح بأمره : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي جعل غذاءها من أمره تعالى ( 57 آ ) ؛ وأمره ظاهر بكتابه ، قال اللّه تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ، والإنفاق من هذا الرزق هو الهداية والإرشاد ؛ فالعلوم والهدايات أرزاق ، والأقوال والأعمال أرزاق ؛ والإنفاق منها واجب ومنعها من أهلها حرام . وسرّ آخر : في النظم من هذه العبادات أنّ الحركات التي هي مورد التكليف ومصدر الثواب والعقاب ثلاث : حركة فكرية وحركة قولية وحركة فعلية . فنظم الحركات كلّها في التقوى والإيمان بالغيب والعبادة ؛ فالتقوى في المتّقين هو الهداية في الحركة الفكرية ، والتصديق بالغيب هو الإشارة إلى الحركة القولية ، والطاعة في المصلّين والمنفقين عبارة عن الحركة الفعلية . ثمّ العبادات منها بدنية ، ومنها مالية . فقرن في الأعمال الصالحة بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في مواضع من الكتاب : يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، * وقال خبرا عن عيسى - عليه السلام - : وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ، فدلّ أنّهما قرينتان لا تفترقان . وسرّ آخر : أنّ هذه الخصال كلّها إذا اجتمعت كان الكتاب هدى وهاديا لهم ؛ وإذا أخلفت كان الكتاب ضلالا وعماية عليهم . فمن وجه هي أسباب الهداية إلى الكتاب ، ومن وجه الهداية هي سبب وجدان هذه الخصال ؛ فأبصر فيها بالقلب والإحساس « 1 » حتّى تنجو « 2 » من الوسواس الخنّاس .
--> ( 1 ) . س : القلب والانتكاس . ( 2 ) . س : تنجوا .